time

شهدت الجزائر مؤخرا حركة حسنة في دعم السلك الطبي ، دور تلعبه مؤسسات المجتمع المدني إعتمادا على الهبات و تبرعات المحسنين ، أو بالمساهمات الفردية المباشرة من خلال الاتصال بإدارات المصحات و المستشفيات العمومية ، في نموذج حضاري راق يجسد المعنى الحقيقي للأوقاف الصحية .

و بالعودة إلى تاريخ الأوقاف نجد أن الإسلام قد اعتنى بها و أولاها أهمية بالغة خصوصا التعليمية و الصحية منها ، فكان يعرف الوقف الصحي ب”المارستانات” و الوقف التعليمي ب”الجوامع و الكتاتيب.

” المارستان في المعجم الوسيط مصطلح فارسي معرب و يعني في الحضارة الإسلامية “بيت المرضى” وهي المستشفيات في وقتنا الحاضر و سنذكر أمثلة للأوقاف الطبية في بعض الدول العربية : في بغداد و في عهد هارون الرشيد بني أكبر مارستان في تاريخ الحضارة الإسلامية ، و توسع الوقف إلى أن بلغ تشييد أحياء طبية متكاملة كانت توقف على المرضى و تسير من طرف أطباء و صيادلة و طلبة طب ، كما كانت تؤخذ أعباؤها ونفقاتها من صناديقها الوقفية و هذا ما ذكره الدكتور أحمد عيسى في كتابه تاريخ البيمارستانات .

و في مصر انتشر وقف المستشفيات انتشارا واسعا ، كمستشفى الفتح ابن خاقان وزير المتوكل على الله العباسي و مستشفى الأمير أحمد بن طولون الوقفي كذا مستشفى قلاوون الذي قال فيه ابن بطوطة : ” يعجز الوصف عن محاسنه، وقد اعد فيه من الأدوية و المرافق الخدمية مالا يحصى .

و في دمشق أسس الخليفة عبد الملك الأموي أول دار لمداواة المرضى ، وجمع فيها عديد الأطباء الذين ترفع أجورهم عن طريق الأوقاف ، و قد بلغ فيها الرفاه إلى أن جُعِل لكل كفيف أو مقعد خادم يسهر على راحته و هذا ما ذكره ابن عبد الله في كتابه الوقف في الفكر الاسلامي . أما في الجزائر فقد شهدت الفترة العثمانية تكاثرا واسعا في الأوقاف ، شمل عدة ميادين في مختلف أنحاء البلاد ، و كانت مداخيلها تسد في تطوير الصحة بالإضافة إلى دعم الطلبة و سد حاجاتهم، كذا بناء و صيانة المرافق العامة و دفع أجور المدرسين و العاملين بالسلك الطبي و القائمين على دور العبادة بالمساجد و المدارس و الزوايا ، و اشتهرت عدة مؤسسات منها : إدارة سبل الخيرات ، أوقاف الحرمين الشريفين و أوقاف النازحين من الأندلس .

و امتد توسع الأوقاف في الجزائر خلال فترة الإستعمار الفرنسي إلى أن قال أحد المعمرين الفرنسيين : ” إن مناعة الأملاك المحبسة أو الموقوفة تشكل إحدى العوائق التي لا يمكن التغلب عليها أمام الإصلاحات الكبرى التي هي وحدها القادرة على تحويل الإقليم التي أخضعته أسلحتنا إلى مستعمرة حقيقية ” .

و من الملاحظ اليوم توسع دعم المؤسسات الاستشفائية بالعتاد و صهاريج الأكسجين إلى أن بلغ التشييد في بعض مناطق الجزائر ، فهل يمكن أن يكون هذا انطلاقة جديدة و دفعة قوية لاستعادة ثقافة الأوقاف الطبية و الصحية ؟

تعليقات الزوار ( 0 )

اترك تعليقاً

مقالات ذات صلة

إمكانية تجسيد استثمارات مباشرة لنفطال في مالي والنيجر

رئيس الجمهورية يأمر بإضافة مقياس السن لشروط منح السجل التجاري

الرئيس تبون: تقييم تواجد التجار الأجانب في الجزائر ومراقبة نشاطهم

الرئيس تبون يأمر بإصلاحات عميقة وهيكلية في قطاع الجامعات