time

منذ نشأة الكون وخلق الإنسان الذي فرقه خالقه عن غيره من المخلوقات بملكات العقل والتفكير فهم الإنسان الأول مغزى خلق الكون وخلقه، فكر واستخدم ملكات عقله في شتى المجالات ، وما تطور الإنسان إلا بالتفكير الذي مصدره العقل، وتطوره لم يأتي من العدم أو دفعة واحدة، وإنما كان يسير وفق منطق البحث والتجربة للوصول لحاجياته الآنية، ألزمه بها السياقين الزماني والمكاني، فإنسان القرون الوسطى لم يفكر في صناعة السيارات والطائرات والهاتف المحمول، وقد سار حاله على هذا المنوال، وحقق بذلك أشياء كثيرة كانت تعد مستحيلة بالنسبة لسابقي كل عصر، فتحسن وضعه الاجتماعي نتيجة جهد عقلي تُرجم أعمالا وصناعات بجهد عضلي.

ومع الوقت اكتشف الإنسان أن التفكير في الماديات المنشأة لأسباب رفاه الحياة غير كاف، واقتنع بأن المادة وحدها لا توفر له السعادة المطلقة والأبدية، وكان للصحف والكتب السماوية المنزلة على الرسل دور كبير في تفتق فكر الإنسان ونمو الوعي لديه عن ما هية الأشياء، فأقام لنفسه علوما تعتني بغير المادة كالفلسفة وعلم الاجتماع، وتفرعت عنها علوم أخرى، كلها تعتني بالتفكير المعمق لجميع مناحي حياة الإنسان كفرد وكجماعة وككيان وما ارتبط بذلك.

ما من شك أن الشأن الإجتماعي أمره عظيم في حياة الإنسان، والمتتبع لحال الإنسان بداية من الربع الأخير من القرن الماضي، يلاحظ تقدم الفكر المادي على العلوم الأخرى، وصار البحث عن إشباع الرغبات العامل الأول في الحافزية على البقاء، وهو ما أدى إلى تعرج كبير في طريقة التفكير، وليس من الخطأ أن الإنسان لا يرضى بالقليل، بل الخطأ في بذل جهد كبير بعيدا عن القيم الأخلاقية والثقافية والدينية من أجل الوصول إلى البذخ والترف.

فأحدث ذلك رجة كبيرة في المجتمعات، نتج عنه صراع مرير مع هجين الأحداث والوقائع التي أنتجهما السياقان الزماني والمكاني الجديدان، فاخلطت بذلك جميع المقاييس التي يمكن للنخب أن تعتمد عليها في تحليلاتها لكي تصوغ الأفكار الحميدة للمجتمع، وما صعب على النخب من هذا الصراع هو سرعة توارد تلك الأحداث والوقائع، ضف إلى ذلك قيام مجموعات فكرية تناكف منطق الأمور، وتبني هذه المجموعات آراءها كليا على المادة وتتخذ من شعار التحرر المطلق مطية لها، فوجدت من يسمعها ،فصار لها أتباعا.

ولأن منطق الأمور له أخلاقه، وانشغال النخب بالعمل في هذا الاتجاه لصياغة جديدة للأفكار، أخَّر الفهم الصحيح لماهية حياة الإنسان، فوقع تباين بين التوجُّهين.

فحجّم ذلك من تبلور الأفكار الحميدة التي يمكن للإنسان أن يستفيد منها. وقد أدى ذلك إلى تقدم الفكر المادي المبني على الغاية تبرر الوسيلة، وأنّ تضعضع الفكر النخبوي لا يُرد إلى قصوره، لكنه يرجع إلى عدم مواكبته سرعة التطور الحاصل في العالم وكثافة البهرجة المحاطة به بفعل ترسانة قوية من الإعلام والإشهار.

قال ذات مرة المرحوم الرئيس الراحل هواري بومدين في مؤتمر القمة الإسلامية بلاهور باكستان: ـ لقد أثبتت التجارب الإنسانية أن الروابط سواء كانت جغرافية أو وطنية أو دينية، تلاشت تحت ضربات معاول الفقر والجهل ــ وهو كلام صحيح إلى أبعد الحدود، فالفقر والجهل قد يخلقا من الإنسان إنسانا تابعا.

وسيبقى الحال على حالة؛ حتى تعمق مُقدرات المعرفة عند الإنسان والذي يكتسبها مع الوقت بفعل التجربة، حينئذ فقط سيعرف كيف يعيد صياغة أفكاره.

بقلم/ هاجر ميموني

تعليقات الزوار ( 0 )

اترك تعليقاً

مقالات ذات صلة

005

عندما تُجلد الإنسانية   /  بقلم هاجر ميموني

003

حفظ الذاكرة الوطنية وتحصين الهوية التحدي الحقيقي بقلم / الدكتور عليلي عبد السلام

001

الأمازيغية تستعيد مكانتها في الجزائر  / بقلم الدكتور عليلي عبد السلام

تعزيز سلوك المواطنة كألية من أليات حفظ النظام العام ومكافحة ظاهرة النشاط الاجرامي لعصابات الأحياء.