time

لم يحدث ومنذ نشأة الكون أن قامت حضارة بمثل تلك الحضارة التي أقيمت في الأندلس،فقد كان العرب كمن لم يكونوا وصاروا كما هو معبّر عنه وشاخصا وشاهدا من تلك الحضارة التّي تدلّ بكل قوّة أنّ من أقاموها في ذلك العصر كانوا يتفوّقون على أمم غير عربية في كلّ شيء، ولا يختلف اثنان عمن نقلهم من أمّة كانت كأن لم تكن إلى أمّة كائنة، فكانت تلك الحضارة قوامها الحرية والعدل والمساواة في زمن لم تكن فيه دساتير ولا هيومن رايتس ووتس موجودة، نشأت بعد نزول آخر ديانة للبشرية جمعاء أكمل بها الله لجميع لعباده دينهم وليس العرب بخاصة، لذلك رامتها النّفوس وعمّرت لأكثر من سبعة قرون، فعاش العرب والأمازيغ جنبا إلى جنب مع النّصارى واليهود، فتعلم البشر من تلك الحضارة أبجديات الحياة المدنية، ولمّا عضدوا أُرتُكب خطأ فادح حين ناصبوها العداء، من منطلق أقواه مادّي وآخر ديني خاطئ، ومنذ سقوطها؛ انسدلت ملكات الكسل على جميع جوارح الانسان العربي، حتى التّناول لمآثر حضارتهم تلك، كان غثا، والسمين منه تناوله غيرهم، وفي الكثير من هذا التناول اعتراف ضمني وصريح بفضل العرب في نهضة الانسان العالمي.

يقول المؤرخ والطبيب الفرنسي “غوساف لوبون” في كتابه ــ حضارة العرب ـ “أدرك الخلفاء السّابقون، الذّين كان عندهم من العبقرية السّياسية ما نُدر وجودُه عند دعاة الدّيانات الجديدة، أن النّظم والأديان ليست مما يفرض قسرا؛ فعاملوا أهل كل قطر استولوا عليه بلطف عظيم، تاركين لهم قوانينهم ونظمهم ومعتقداتهم”. وتلك هي سرائر سرّ الوجود في الكون؛ فمتى أحترمت نالت رضا القلوب، وهذا صحيح لأبعد الحدود، فلذلك يورد في نفس الكتاب ما قاله “بارتلمي سنت هيلر” في كتابه عن القرآن ما يلي: “أسفرت تجارب العرب وتقليدهم عن تهذيب طبائع سنيوراتنا الغليظة في القرون الوسطى، وتعلّم فرساننا أرق العواطف وأنبلها وأرحمها من غير أن يفقدوا شيئا من شجاعتهم” ويمضي المؤرخ والطبيب غوستاف لوبون يقول في كتابه: “إنه كان للحضارة الإسلامية تأثير عظيم في العالم، وإنّ هذا التأثير خاص بالعرب وحدهم فلا تشاركهم فيه الشّعوب الكثيرة التّي اعتنقت دينهم” إلى أن يقول بصورة الواثق من كلامه:

“نُثبتُ الآن أنّ تأثير العرب في الغرب عظيم أيضا، وأنّ أوربة مدينة للعرب بحضارتها” ولم يكن منشأ تلك القيم من فراغ ـ ولم تنشأ من نظرية وضعية، ولكنها نشأت لدى العرب والأمازيغ بعد اعتناقهم الإسلام، الدين السمح الذي يسع كل شيء يفيد التّعايش السّلمي بين البشر. فما أحوج الانسانية جمعاء لمثل هذه الحضارة في هذا العصر الذّي انفُصل فيه على جميع القيم.

كيف كان العرب، وكيف صاروا؟ ومن أين حلّ بهم هذا الوصب، أصوب تحليل يؤدّي بنا للقول أنّ وصب الأمّة العربية جاء من كسلها الذي انسدلت جميع ملكاته على جوارحها، فالإنسان الحالي العربي أو الغير عربي هو من نسل سابقيه، فكيف ركن الانسان العربي إلى هذه الزّاوية البائسة، وجلس فيها القرفصاء لا يتحرك وكأنّي به مصاب بالكساح، وما عاد ما يهتمّ إلا بخلق أسباب الاقتتال بينه وبين أخيه، حتى صيّر أدوات دينه السّمح إلى أدوات الفتنة، ودينه منها بريء.

ليس صحيحا أنّ الانسان العربي لا انتظار منه لأن يتطوّر، فقد اطلعنا ونحن نتابع على الفضائيات جائحة كرونا، على أسماء عربية تقود فرق البحث الطبي في أكثر من بلد غير عربي لإيجاد لقاح أو علاج لهذا الفيروس، هذا في مجال واحد وما أدراك في المجالات العلمية الأخرى، ومن ثمّ تصير الإجابة عن كيف كنا وكيف أصبحا، أمرا جدّ معقدّ لتداخل الأشياء على بعضها وعتّم تداخلها رؤية الأشياء كما هي.

 

تابعنا مسارا للتّطبيع مع إسرائيل، وأنّ أمر هذا التطبيع لم يبدأ اليوم، فمنذ نشأة فكرة العولمة، والشّرق الأوسط الجديد مبني على العبقرية غير العربية والمال العربي، ولا غرابة في أن نسمع في الأيّام الأولى للتّطبيع عن المنافع الاقتصادية المتبادلة مع المطبّعين، وكأنّ الانسان العربي يختم باعتراف ضمني على ما يقال عنه عديم العبقرية وصحّة القاعدة التي نشأت عن فكرة العولمة، في الوقت أن ماضيه مشرق جدا نهلت منه الانسانية بعطاء غير مجذوذ، حقيقة الاقتصاد عصب الأمم، فبه تكتسب القوة والهيبة وسلطة القرار، إلا أنّه يعد من الخطأ الفادح أن يتمّ السّعي للقوّة الاقتصادية بعيدا عن المبادئ التّي تسندها، هذه المبادئ تتجلّى معانيها في نصرة الحقّ.

وما يثير الغرابة من هذا التّطبيع الذي يتمّ بالمجان، أننا لم نسمع عن القضية الفلسطينية أنّها قد حلّت حلا مشرّفا يتيح لشعوب المنطقة التّعايش السّلمي في جوّ من الاحترام، أو حتّى بوادر حلِّ كذلك، ثم إنّ هذا التطبيع بماذا يفيد العرب؟ غير تأكيد العبقرية غير العربية والمال العربي في منظومة اقتصادية عالمية تسير بغير ضوابط وأخلاق.

فما كان على الفلسطينيين الانتظار إلى أن يقول الشاعر محمود درويش لكل فلسطيني: كم كنت وحدك يا ابن أمّي. وكان عليهم أن يفهوموا ما قاله ذات مرة الرّاحل هواري بومدين رحمه الله وطيّب ثراه حين قال: “فمنذ عام 1948 إلى عام 1967 والعرب يتكلّمون عن تحرير فلسطين؛ لكن النّتيجة هي أنّهم لم يحرروا فلسطين. فهل البلدان العربية تستطيع في المستقبل تحرير فلسطين؟ وإذا كان يجب عليّ أن أكون صريحا في هذا الموضوع فأنا أشكّ في كونها قادرة على تحرير فلسطين، وإذا كانت السّياسة عبارة على استعمال أسلوب معيّن وعدم جرح عواطف الغير فإن هذا الموضوع لا يسمح بأن تشمله مثل هذه السّياسة، ولهذا فأنا أقول أن هذه البلدان لا تستطيع تحرير فلسطين”.

حقيقة لا يوجد إنسان في هذا الكون، يرفض أن يحلّ السّلم والأمن بين النّاس الذّين يَعْمرون هذه المعمورة، تتلقى كيفية تحقّق ذلك فقط وفقط، وتحقيقه لن ولن يتأتّى بغير رضا أصحاب الحقوق به، إذ لا يمكن بأيّ حال من الأحوال أو تحت أيّ مصوغ، أن يُحمّل طرف مظلوم قبول ظلم غيره حتّى نقول له أنّك مسالم، وتعد القضية الفلسطينية، أم القضايا العالمية في العصر الحالي وليس الشّرق الأوسط وحسب، وهي أقدم قضية ما زالت لم تحلّ، وأنّ أيّ خطوة لحلها يتعيّن ويجب أن تُخطى نحو الفلسطينيين دون غيرهم حتّى وإن كانوا عربا، فالأمر يعني الفلسطينيين أصحاب الحق، حلا يكون عادلا يرضي الجميع، ولو يعي الإسرائيليّون التّاريخ العربي جيّدا، لهرولوا هم إلى الفلسطينيين لإيجاد حل تعايش بين الإنسان والعبد والبشري الفلسطيني والإنسان والعبد والبشري اليهودي، وأنّ يعوا جيّدا أن لا حلّ لمشكلة فلسطين بالأدوات العسكرية حتى وإن تفوقوا بها عليهم، فالانسان العربي وإن كان يعاني في عصره هذا الهوان وهو يصارع لإثبات وجوده ، لا تموت فيه روح المقاومة على الاطلاق، والحل المشرف هو ما يرضى به الفلسطينيون وحدهم.

قال الراحل هواري بومدين: “بأنه ليس هناك حل عسكري وحل سلمي، وإنما هناك حلّ مشرّف وآخر غير مشرف، وكنّا ولا نزال من اجل الحلول المشرفةّ”.

إنّ تناول مثل هذه القضايا يثير شجون الإنسان، لأنّ أمرها مرتبط ارتباطا وثيقا بنفسية الانسان الواقع عليه الظلم، فمظلوميته تبعث فيه قوّة الطلب المستمدّة حجّيته من قوّة الحقّ، وهي قوّة لا تخور مع الوقت أو تعاقب الاجيال حينما يتعلقّ الامر بالأرض.

وعلى أصحاب الحقّ؛ الفلسطينيون أن يعوا جيّدا أن قضيّتهم بيدهم. وعليهم ألاّ يبقوا على وضعهم الحالي، بأن يضعوا خلافاتهم وتنظيرهم في ثلاجة تجميد، ويكبِسوا صوتهم في صوت واحد، فإرادة الشعوب لا تقهر، وأن يسلكوا في مقاومتهم التّحرير الوطني بعيدا عن أيّ إيديولوجية قد تستخدم لتشويه مقاومتهم، ويلجؤوا للمطالبة بحقوقهم، ويقصدوا شعوب العالم ليفهموا قضيتهم، فلطالما معظم الدول العربية أولتهم ظهرها.

أما على المستوى الشعبي العربي، فلا ينتظرون منه الكثير، فالشعوب العربية تم إنهاكها في قضايا عديمة الفائدة، ولا يُعرف لها متى تنتهي منها.

بقلم  / هاجر ميموني

728x90 Ar

تعليقات الزوار ( 0 )

اترك تعليقاً

مقالات ذات صلة

الأستاذ عبد الرحمان بوثلجة: “إنجاح التعليم عن بعد وتعميم الرقمنة في الجامعات وتطوير الاقتصاد الرقمي بصفة عامة يحتاج إلى التكوين في تكنولوجيا الإعلام والاتصال الحديثة”

كورونا … جنائز مؤقتة   /  بقلم الإعلامية والباحثة فتيحة زيماموش

الرسوم المشينة لشخص الرسول صلى الله عليه وسلم في الرواية العربية …/ بقلم د. عرجون الباتول

جمال بلماضي درس يجب أن يُدرس..  بقلم /محمد دلومي