time

قبل أربعة عشر قرنا مضت، كان ما وصل إليه الانسان من علوم المعرفة العقليّة، لا يتعدّى حدود النّقاش الفلسفي، وفي مضمونه، كان يحاول أن يجد له موقع قدم بين الواقع والمنطق، إلى أن جاءت بعثة الرّسول والنّبي محمد صلّى الله عليه وسلم بآخر ديانة للنّاس جميعا، حقنت الفكر البشري بأشياء لم يعرفوها من قبل، وصحّحت ما حُرف من الألواح والرّسالات السّابقة، ولم يختر محمد رسول الله لنفسه لأن يكون رسولا ونبيّا، ولم يختر المكان الذّي يجب عليه أن يتواجد فيه لتلقّي الرّسالة، كما لم يختر أيضا لمّا اصطفاه الله ليكون رسولا ونبيّا، اللسان الذّي يتلقّى به تلك الرسالة، فتلك إرادة الله وحده، لا يشاركه فيها أحد.

إن ما أنزل على الرّسول والنّبي محمد صلّى الله عليه وسلّم، كان من الاعجاز اللفظي والتّرتيب النّصي محكما، تعجز عن الاتيان بشيء من مثله أفصح الألسن وأبلغها، وكان من الاعجاز العلمي مايفوق طاقة عقل الإنسان وقت نزوله وإلى الآن، وفيه القوانين السامية التي ترتب حياة الانسان بما ينال السّعادة في دنياه تمهيدا لفوزه النّهائي عندما تعود روحة إلى خالقها، وكان من الطبيعي جدّا أن يتلقاه بالتّصديق أصحاب العقول الرّاجحة، ومن ثمَّ يؤمنون به ويعتنقونه، ويناصبه العداء الذّين في قلوبهم مرض، وما ناصب العداء للدّين الجديد في بداية نزوله وحيًا، إلاّ قوم الرّسول الاعظم، وما تركوا عداءهم له عند حدّ عدم الايمان بالدّين الجديد فقط بل صعّدوا من عدائهم وحاربوا الدّين والرّسول.

فالرّسول الكريم تلقّى رسالة ربّه بما يصدّق ما أتى به كما تلقته الرّسل والأنبياء الذين سبقوه، ويكفي المسلمين تفوقهم في المعتقد الايماني، بالله وحده لا شريك له وبملائكته وكتبه ورسله وباليوم الآخر والقضاء والقدر خيره وشرّه، وأنّ الإيمان في دينهم لا يكتمل إن شابته نقيصة الايمان بالكتب المنّزلة من الله والايمان برسله جميعهم، ويكفيهم فخرا، أنّهم يؤمنون بـجميع الرّسل والانبياء: آدم ـ شيث ـ إدريس ـ نوح ـ هود ـ صالح ـ إبراهيم ـ لوط ـ إسماعيل ـ إحساق ـ يعقوب ـ يوسف ـ أيّوب ـ ذو الكفل ـ يونس ـ شعيب ـ موسى ـ هارون ـ داود ـ سليمان ـ الياس ـ اليسع ـ زكريا ـ يحيى ـ عيسى ـ محمد، ويحلوا لهم أن يتيمّنوا بأساميهم، لذلك يسمون أبناءهم بأساميهم.

كان محمّد ابن عبد الله مقتنعا بأنّه رسول ونبيّ للنّاس جميعا ختم الله به رسله وأنبياءه، نزل عليه قرآن بلغة عربية فيه أم الكتاب مصدّقا لما سبقه من الكتب المنزّلة على رسله وأنبيائه، ليتمّم للبشرية جمعاء دينها الواحد “الاسلام” ، ولأنّه رسول معني بمصير الانسانية التّي خوطبت بهذا الدّين للعمل به، فما جحد رسالته، وأرسل رسلا إلى مماليك وحكّام من بينهم هرقل عظيم الروم، أرسل مبعوثه داحية الكلبي وكان رجلا طويلا ذا بشرة بيضاء وفيه من سيمات البشر بما يوحي أنّه ليس غريبا عن سلالة وعرق وبشرة النصارى ، اختاره على هذه الصّفة ليعمّق مفهوم الدّين الاسلامي أنه لا فرق بين أبيض أو اسود أو عربي أو اعجمي إلاّ بالتّقوى، وكانت عبارة الرسالة جميلة ودقيقة قال له فيها:

 

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ.

مِنْ مُحَمَّدٍ عَبْدِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى هِرَقْلَ عَظِيمِ الرُّومِ، سَلاَمٌ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى، أَسْلِمْ تَسْلَمْ. يُؤْتِكَ اللَّهُ أَجْرَكَ مَرَّتَيْنِ، فَإِنْ تَوَلَّيْتَ فَإِنَّ عَلَيْكَ إِثْمَ الأَرِيسِيِّينَ. ثم ختمها بكلام الله رب العالمين: (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ) الآية 64 من سورة آل عمران، وكان هرقل عظيم الرّوم متواجدا بالقدس وصلها مشيا على الاقدام ليصلّي فيها شكرا للرّب على نصره وإعانته وتيسير فتح القسطنطينية، ولمّا استلم الرّسالة، وهو النّصراني المطلع والعارف بدينه قال: هذا رسول قد قرأنا عليه في الكتب المقدّسة، وما يشد في كل هذا؛ استجواب هرقل المعمّق والطويل لأحد جاحدي نبوّة محمد، حيث كان متواجدا بالمنطقة للتّجارة، سأله أسئلته الدّقيقة التي تتفوق في الدّقة على أسئلة المفتش كولومبو (بيتر فالك) ، ويكفي منها سؤالين للاستحضار، ومادّة الجواب عن كلّ واحد منهما:

ــ سأل هرقل: فهل كنتم تتّهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟

ـــ أجاب أبو سفيان: لا.

ــ سأل هرقل: بماذا يأمركم؟

ــ أجاب أبو سفيان: يقول: اعبدوا الله وحده، ولا تشركوا به شيئًا، واتركوا ما يقول آباؤكم، ويأمرنا بالصّلاة والصّدق والعفاف والصّلة.

فعلى الرّغم من نكران أبو سفيان رسالة محمد وناصبه العداء، إلاّ أنّه لم يقل إلاّ ما كان صحيحا عن محمد. فما كان على هرقل عظيم الروم إلاّ أن طلب من المبعوث الدّخول ليسأل كبير الأساقفة وأعلاهم، قائلا: هو أعلم مني بالكتب المقدّسة، وحين دخل عليه مبعوث الرّسول وسلمه الرّسالة، قرأها وقال: هذا أحمد؛ ثمّ انصرف على عجل إلى غرفته واغتسل وخلع ثيابه السّوداء وارتدى من اللباس الأبيض ثمّ خرج على شعبه، ولما رأوه سجدوا له ثم قال لهم: أيّها النّاس إنّي عشت زمنا أنتظر هذا الخطاب وهذا أحمد، وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وأن أحمد رسول الله، هنا القوم الذّين سجدوا له انتفضوا وناله من ضربهم ورفسهم بما يكفي ليدمى جميع جسده واحمرّت ثيابه البيضاء من دمه ومات الأسقف الأكبر صغاطر مسلما. ومن ذلك صارت البشرية تتعصّب لنحلها وسعوا لها سعيها، وكلّما مرّ الوقت عليها ازدادت الضّغائن وتعمّقت الشّروخ، وستبقى إلى يوم الفناء العظيم، إنّهم كانوا قوما عَمين ؛ركموا مواقفهم وسُقيت بعُلجوم يَعْبوب الكراهية وتغذّت به، وعضدت بذلك جلافة النّفوس على وَليجَة السّوء حتّى رانت فعمت القلوب ووقر السّمع، وكثر المُرجِفون واعتلى الخرّاصون منابر الاستقطاب وجأروا بالباطل وسامتها نفوس أسباطهم واتّخذتها موئلا وكِنّا لها، وجعلوا لأفكارها سراديق وكأنّي بها تحوز الحقيقة المطلقة في الكون، وتفرق البشر إلى نحل، فأذكيت جذوة النّكران وخسر جبلا كثيرا خسرانا مبينا. فكيف لا نأسى على ذاك الخسران وكيف لا نأسى على ما آلت إليه؟ ولا غرابة في أن نسمع ما ترجمته النفوس من أحقادها حين تفرغها ـ رسوما مسيئة للرسول أو كتابات مسيئة للدين، فهذا آتٍ من امتداد بدأت مدارسه الفكرية قديما، وعلى الرغم من التّطور الحاصل على المستوى الفكري للإنسان، إلاّ أن نفوسا يُشفق عليها من المستوى الحاصل في تفكيرها. حين تختصر فضاء حريّة التّعبير في التّعرض لعبادٍ من عباد الله، لهم صفوة على باقي العباد، لم يُنشؤوها لأنفسهم أو يختاروها أو يزعموها، وإنّما كانت من الله وحده حين اختارهم لتبليغ رسالته، فنالوا ثواب الرسالة والنبوة.

إنّ محمدا الرّسول والنّبي، أكبر من أيّ مخلوق على الكون، وأكبر من أن ينال منه كفر عبد بالله وبالأنبياء، ولا رسوما مسيئة، ولنا في رسول الله ونبيّه أسوة، نستذكر كيف تعامل مع عمير بن وهيب الجمحي، الملقّب بشيطان قريش الذّي نوى شرّا بالرّسول الكريم، وأيّ شرّ نوى القيام به، إنّه نوى قتل الرّسول العظيم، وكونه رسولا، علم بما جاء من أجله، وكيف أسلم وصار من المدافعين عنه، بعد سؤاله عما جاء من أجله، ومواجهته به. فقلم في يد ذي عقل راجح أكثر من مليون سيف في يد ذي عقل طائش، وعلى المسلمين أن لا يسقطوا في الفخاخ المنصوبة للدّين الإسلامي، ليختموا عنه بالعنف والإرهاب، فالتّربص به منشأه قديما، تعتنقه نفوسا تحتاج إلى الشّفقة، فهي لا تعلم عن الإسلام شيئا بسبب تأخّر المسلمين في التّعريف بدين الانسانية جمعاء على حقيقته، والتّعريف بسيرة النّبي محمد عليه الصّلاة والسّلام، ولا يدَعوا أمر ذلك إلى بعض التّيارات الفكرية الاسلامية التّي سقطت في فخاخ العنف. فإهداء مصحف مترجم إلى لغة مسيء للإسلام، وكتاب سيرة النبيّ محمد عليه الصلاة والسّلام مترجما إلى لغة المسيء له، مع باقة وردٍ تتوشّحها يافطة مكتوب عليها، “لا أحبّ لك نار جهنم” يكون ذلك تعريفا صحيحا للإسلام والدعوى له بالتي هي أحسن وأحب للقلوب.

بقلم / هاجر ميموني

728x90 Ar

تعليقات الزوار ( 0 )

اترك تعليقاً

مقالات ذات صلة

الأستاذ عبد الرحمان بوثلجة: “إنجاح التعليم عن بعد وتعميم الرقمنة في الجامعات وتطوير الاقتصاد الرقمي بصفة عامة يحتاج إلى التكوين في تكنولوجيا الإعلام والاتصال الحديثة”

كورونا … جنائز مؤقتة   /  بقلم الإعلامية والباحثة فتيحة زيماموش

الرسوم المشينة لشخص الرسول صلى الله عليه وسلم في الرواية العربية …/ بقلم د. عرجون الباتول

جمال بلماضي درس يجب أن يُدرس..  بقلم /محمد دلومي