time

لقد استرجعت وأنا أتابع بحسرة نشر الرسوم المسيئة لشخص الرسول صلى الله عليه وسلم في هذه الفترة، رواية بياض اليقين للكاتب الجزائري المبدع عبد القادر عميش، كواحدة من الروايات التجريبية المعاصرة التي استنجدت بالفكر الصوفي، عاش الكاتب فيها حالة من حالات الشطحات الصوفية، تثاقل الجسد إلى الأرض وسمت الروح إلى الأفق الرباني، إلى عالم المشاهدة والملكوت ( على مرفأ عمري أقف أشيع بعين اليقين مزنى الوهم، وأنادي في الريح،

يا مجري السحاب و منزل الثلج ، رد علي روحي. نقني من وسوسة الشيطان كما ينقى الثوب من الدنس بالماء و الثلج و البرد. خلصني من جنوني من وهمي… فأنا الراوي المتيم ببطلته. صنعها وهمي وصدقها عقلي ثم ضاع بين أحداث الحكاية. اختلط الحاكي بالمحكي له، مثلي مثل هايدي ، ولدت بين الكلمات وماتت بين الكلمات في ليلة ثلجية وهي تضحك …) بياض اليقين عتبة الغلاف الخلفي.

ولأهمية المسكوت في هذه الرواية وجدتني أهتم بالمضمر الطافح بين سطورها وأستقصي اللاوعي النصي، أنتقل دلاليا من الدلالات الحرفية والتضمينية إلى الدلالات النسقية والقيم المضمرة.

تدور الرواية حول الشخصية النواة “هايدي“، هذه الفتاة الشيشانية الشهيدة التي بتر ثديها الأيمن، وعينها اليمنى، وساقها اليمنى، وذراعها اليمنى، جز شعرها الفاحم، عُلِمَ بحروف سيجارة ما، وحول نعشها نسوة ينحبن بلا أصوات.

تعكس  شخصية هايدي بطلة الرواية كنسق قيمي مضمر حال الأمة الإسلامية، حال الشيشاني، والتيلاندي، وحال العراقي، والجزائري في زمن بوشكارة، أو البياع كما يسميه الكاتب في الرواية ، فهي تعالج من وراء هايدي البيضاء الطاهرة الشهيدة، قيم دينية  كنصرة الرسول صلى الله عليه وسلم وطنية  وتاريخية كاسترجاع تاريخ الثورة الجزائرية وسياسية و … قيم أمة مسلمة تعاني، أمة غارقة في دمائها وسواد حزنها، ولكن لا حياة لمن تنادي.

وتسترجع الأوضاع التي تعيشها الأمة الإسلامية في هذا الزمن مثل مقتل “الشيخ ياسين” وغيره ،  فالغرب الصليبي يتقصد إيلامنا  بطرق فنية مدروسة حسب ما تقول الرواية، ويسميه  الكاتب التفنن في الإيذاء أو جمالية البشاعة. ذكرني هذا أيضا بمقتل “صدام حسين“، ويكمن ما وسمه المؤلف بجمالية البشاعة أو التفنن في الإيذاء أنه قتل بالضبط يوم فرحة المسلمين “فرحة عيد الأضحى المبارك” وكأنه كبش الفداء.

ولإيصال هذه الفكرة استعمل المؤلف صورة بالغة الجمال، تضمر قيما لا حصر لها، تشير إلى الغرب  الصليبي الذي يتقصد إيذاءنا وأي إيذاء؟

يقول في الصفحة 44 من الرواية:

” آه يا حبة قلبي المتعب، أحدث نفسي، هل سيسلم جسدك الطاهر إلى الفنان الهولندي “فان كوخ” ليرسم عليه أفكاره الصليبية… ربما هو ينتظر موتك ليكتب مكان عفتك آيات قرآنية ليزركش جسدك الثلجي بالوشم، ليجعل منك لوحة عبثية في فيلمه الموسوم -الإذعان- لا أدري كيف يسمى باللغة الهولندية أو العبرية.

ربما هذا لا يهم الآن ، ربما سيصفق الجمهور في قاعة العرض حينما يشاهدون جسدك العاري الأبيض كالثلج وعليه آيات قرآنية، ربما أخرج بعضهم هاتفه المحمول أو ربما آلة تصوير رقمية حديثة والتقط صورة متميزة لمكان متميز وليكن مكان عفتك، ربما استحق فان كوخ جائزة أعظم عمل فني متميز لهذه السنة الثلجية، ربما ابتسم أمام عدسات الكاميرات العالمية، وهو فخور بهذا العمل النادر، ثم يدافع عن عمله الفني الجديد، الفن العبثي، أو ما يسمى في النقد الحداثي بجمالية البشاعة، يذكرني ذلك بسمية حين طعنت بالرمح في مكان عفتها… اليوم فقط تتكرر الطعنة نفسها لكن طعنة بالفن في نفس المكان”.

من هنا تتجلى قوة التصوير الطافح بالدلالات ، قوة المسكوت عنه،  العمق يجعل كل فرد مسلم غيور على الأمة الإسلامية يثور عزة وألما شديدا، ومثل هذا الرسوم المشينة لشخص الرسول صلى الله عليه وسلم وعائشة أم المؤمنين، التي أصدرتها صحيفة يولانس بوستن الدانمركية  وصحف فرنسية وأخرى صليبية وديمقراطية.

كل هذا يحدث في حق الأمة المسلمة وهي تضحك أو تبتسم ربما طمعا في الآخرة أو ربما لم تجد غير الابتسامة تشفي بها غليلها من الأعداء ، تحديا وكبرياء، لكن سرعان ما تتحول ابتسامة التحدي إلى صراخ “ويشتد لغظهم شامتين بالرأس التي واصلت ابتسامتها الآن أكثر، وصارت تنظر في كل الاتجاهات، تتحول ابتسامة الرأس مع كل ركلة إلى ما يشبه التكشير في حين يزداد لغظ الجنود وتتعالى قهقهاتهم، لتغطي على نواح هايدي التي صار بكاؤها الآن أوضح وأنقى” بياض اليقين ص22.

ويتقاسم دور البطولة مع هايدي الأستاذ البطل، الذي تنكر لجسده الفاني وسما بروحه مخترقا حدود الزمان والمكان، حيث تعكس هذه الشخصية كنسق مضمر آخر رجال الأمة الإسلامية، فما هو إلا واحد من رجالها، يعشقها عشقا كبيرا ، هواها لا يفارق روحه، هي معه في كل مكان في الشيشان وقسنطينة، وفي حلب وبكلية الأدب .

لكنه في الأخير وبرغم اعتزازه الشديد بها خان القضية، جرح مشاعرها، حطم كبرياءها، وهرب وسط الثلج وهو يردد: ” وأنا الذي حدثتني نفسي بالتوجه إلى الشيشان أو الفلوجة هكذا هربت متعثرا وسط الثلج، أخفي وجهي، أخفي دموعي عن أنظار الطلبة، فقد أجري في نفسي حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم- من مات ولم يغزوا ولم يحدث نفسه بغزو مات على شعبة نفاق- أبكي أجري متعثرا بين الثلج وأنا أسترجع الله في جبني وضعفي النادر” .بياض اليقين، ص 123- 124.

جاءت هذه الدراسة الوجيزة لنصرة الرسول كأضعف الإيمان والتعريف برواية “بياض اليقين”، التي حمل فيها كاتبها مسؤولية الدفاع عن الأمة الإسلامية بالفن وعن قيمها بكل أمانة وشرف، وبأسلوب متميز فائق الجمال طافح بالدلالات والأنساق المضمرة التي مازالت بحاجة إلى معاينة جادة ، تنبش المسكوت عنه في دراسات لاحقة بإذن الله.

فداك روحي يا رسول الله.

728x90 Ar

تعليقات الزوار ( 1 )

اترك تعليقاً

مقالات ذات صلة

الأستاذ عبد الرحمان بوثلجة: “إنجاح التعليم عن بعد وتعميم الرقمنة في الجامعات وتطوير الاقتصاد الرقمي بصفة عامة يحتاج إلى التكوين في تكنولوجيا الإعلام والاتصال الحديثة”

كورونا … جنائز مؤقتة   /  بقلم الإعلامية والباحثة فتيحة زيماموش

جمال بلماضي درس يجب أن يُدرس..  بقلم /محمد دلومي

009

بدأت قديما … بقلم / هاجر ميموني