time

بقلم/ هاجر ميموني

سبحانك ربي خالقي وبارئي؛ وسبحانك خلقت كلّ ما هو في الكون، قررت ففعلت وإذا أردت أمرا قضيته، قلت له: كن فكان و يكون، ما أعظمك؛ جلت قدرتك لا يناقشك فيها أحد، خلقت الخلق وفضلت جميع عبادك بالعقل وجعلت لهم السمع والبصر والفؤاد والحواس، وقلت لنا: أنا ربكم فاعبدوني، أخِرُّ لك ساجدة راكعة متضرعة، اعصمنا يا رب من أن نشرك بك واعصمنا من المعاصي والسيئات والمروق.

يقول العلماء؛ أول ما خلقت هو عرش الرحمن، وقيل أن القلم هو أوّل ما خلقتهُ، لتكتب أقدار الخلائق وكان ذلك قبل خلقك السموات والأرض بخمسين ألف سنة، ثم خلقت الماء لأنّ عرشك كان على الماء، ثم خلقت الأرض وبعدها الجبال لتكون أوتادا لحفظ توازن الأرض، ثم السماء لكي تكون السقف محفوظا من غير أعمدة، ثم خلقت الشمس والقمر والنجوم والكواكب، ثمّ خلقت الفناء وهو فناء الخلق وانتهاؤه، كل ذلك في كتاب محفوظ عندك. وكانت هذه اليابسة من أجمل الكواكب خلقاً؛ وزينتها بأحسن وأبهى زينة عليها نعيش وفيها نموت وندفن ومنها نبعث يوم الحشر العظيم.
سبحانك ربي؛ الغيب لا تعلمه إلا أنت جلت قدرتك؛ فكان قرارك أن تجعل في الأرض خليفة، آمنت بك إيمانا راسخا لا أحيد عنه، بأن لا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك وآمنت بملائكتك وكتبك ورسلك وباليوم الآخر والقضاء والقدر خيره وشره، ولما آمنت ورسخ في أعماقي العميقة هذا الإيمان، عرفت عظمتك وقدرتك وحكمتك، فحينما تقول للأمر كن فيكون، خلقت سيدنا آدم عليه السلام وسجدت له الملائكة إذعانا لأمرك بالسجود له، إلا إبليس أبى وأستكبر وكان من الكافرين. ولما حان حين نفخ الروح فيه، عطس آدم عليه السلام، فنبهته الملائكة ليقول: الحمد لله، ولما قالها، ناجيته قولا: رحمك ربك، ولما الروح بلغت عينيه شاهد ثمار الجنة، ولما وصلت الروح في جوفه وثب إلى تلك الثمار مشتهيا لكنه لم يستطع النهوض، لأن الروح لم تبلغ رجيه، لذلك استعجل خلقه حين قال: رب استعجل بخلقي، قد غربت الشمس. فكان خلقه أبو البشرية آخر ساعات النهار من يوم الجمعة بعد ما خلقت الخلق كله.
[ ] فسبحانك ربي وما أعظمك؛ لما رأيت بأن الإنسان لا يستطيع العيش وحده لا يشاركه حياته كائن ما؟ حتى وإن كان يعيش في مكان جميل كالجنة ولا يتعب ولا يشقى فيه! فقد كنت رحيما حين فكرت في الأنس والسكينة وخلقت لأبينا آدم أمنا حواء لتؤنسه في قضاء الوقت وهو يتمتع في الجنة لا ينقصه شيء، فأحسنت الخلق والاختيار حين خلقت، وكانت أحسن وأجمل رفيق وأنيس له في الجنة. ولم تخلق معه أحدا آخر ،،فنالا شرف أبوة البشرية كلها، وجعلتهما لأن يكونا وذريتهما خليفة في الأرض.
الجنة، الجنة؛ وما أحسن وأجمل ذلك المكان، فيها العيش بلا تعب ولا شقاء، لا بغضاء ولا ضغينة ولا حقد ولا حروب، جعلتها لآدم وحواء ليسكنا فيها ويأكلا من ثمارها بلا شقاء، وبغواية إبليس الذي ناصب آدم العداء حين رفض أمر ربه بالسجود له، أكلا من ثمار الشجرة التي نهيتهما عن الأكل من ثمرها. وكانت لائمتك لهما كبيرة، فتلقى آدم كلمات منك تبت فيها عليه، لحكمة تعلمها؛ قلت لهم أهبطوا منها جميعا، وعنيت بذلك آدم وحواء وإبليس.
وعاش أبونا آدم وأمنا حواء على اليابسة يكابدان ضنك العيش، إلا أن ما فضلهما به خالقهما على بقية خلقه هو العقل؛ ملكات العقل عند الإنسان هي التي تجعله متفوقا عن بقية الخلائق، لما لعقل الإنسان من ملكات إدراك الأشياء على ما هو عليه حالها خوضا في البحث عن ماهية حقيقة الأشياء ومما تتكون وفهم الغاية من خلقه. لكن هل يسمو الإنسان بعقله وتفكيره إلى مراتب السمو؟ ليس ذلك بالأمر السهل، بالنظر إلى سبب إخراج آدم عليه السلام وحواء من الجنة، فاشتهاء ثمار الجنة لما بلغت الروح أحشاءه كانت البداية في استعجال أمر خلقه، ثم الرضوخ لغواية إبليس حين قال لآدسم: هَلْ أدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الخُلْدِ ومُلكٍ لا يَبْلىَ. الآية 120 ـ سورة طه.
الخلد، الخلد والمُلك الذي لا يبلى، غرائز في الإنسان يعلمها خالقه، ولم يترك الله عز وجل هذا الإنسان بغير رحمة لعصمه من المروق والفساد، فأرسل إلى عباده الرسل والأنبياء برسالاته، كان يستهدف فيها عقولهم ليدركوا الحكمة التي من أجلها خُلق الكون وخلقوا، قوامها الحب والإخاء والإيمان بالله وحده لا شريك له وترك المنكرات والمعاصي والغلو والعدوان، إلى أن ختمها لهم باستكمال رسالاته للبشرية جمعاء بدين عظيم وسمح، فكان لكل زمن ناسه ومعاصيه ورسله. فما أحلى وما أجمل منهاج تعليم متسلسل باضطراد سطر للإنسانية حسا
باضطراد تسلسل مفاهيمها الحياتية في الدنيا، لتتلقى وتتعلم أمور دنياها وأخراها، وما أجمل عقول تلقت المنهاج وتعلمت وفهمت وطبقت وعاشت حياة الجنة الأولى بقليل من التعب والشقاء، لما تفاعلت بما تعلمته وفهمت رسالتها السامية، لتعيش حياة الجنة الثانية الأبدية بغير تعب وشقاء، هذه المرة تعيشها في مكان وزمن غير مكان وزمن حياة جنتها الأولى.
آخر رسالة سماوية للبشرية هي الدين الإسلامي الحنيف، ففيه أم الكتابة والقرآن كلام الله إليهم فصل فيه كل شيء وفيه أخبار ما قبل نزوله وما بعده، وكانت أركانه خمسة: الشهادة بأن لا إله إلى الله وأن محمدا رسول الله، وهي الإقرار بوحدانية الله ــ إقامة الصلاة وهي عبادة يناجي فيها العبد ربه خمس مرات في اليوم حين يقف في بين يديه ـ إيتاء الزكاة: وهي شعير يطهر بها الإنسان ماله ويتعلم من أدائها قهر نفسه في مغالبتها على حب المال ويتذكر المحتاجين ـ صوم شهر رمضان وهي عبادة يذعن فيها العبد طواعية عن تناول الطعام والشراب ومفطرات الشهوات من الفجر إلى المغرب ـ حج البيت لمن استطاع إليه سبيلا.
وفي هذه السنة نؤدي فريضة صوم رمضان المعظم في ظروف الحجر الصحي وما فرضه هذا الكائن المجهري “كرونا” على الإنسانية من لزوم بيوتها والتباعد الاجتماعي اتقاء لشره والنجاة بأنفسها من بطشه، ونحن في الأيام الأخير من رمضان، أما آن لنا أن نقف مع أنفسنا ونسائلها، كم استفدنا من مدرسة الصوم في هذه الظروف الخاصة، وهل ارتقى بنا الصوم إلى مراتب سمو عقولنا وتصويب أخلاقنا لأن الدين جاء لفهم ماهيتنا، وما الدين إلا القانون الأساسي لتسمو الإنسانية بتفكيرها وبغرائزها، فليست الإنسانة إنسانية إلا بالعقل، فإن لم تعقل بالعقل يتضعض مفهومها للحياة التي لا تبنى إلا بقيم الأخلاق والصدق والحب والإخاء.

تعليقات الزوار ( 0 )

اترك تعليقاً

مقالات ذات صلة

3

مؤتمر رابطة الجامعات الإسلامية يدعو لاستراتيجيات تعليمية تعتمد تعزيز الوعي 

119523868 4039037866122645 3443929166519742248 N

نقابة الأئمة تحذر من فتنة تعليق صلاة الجمعة

001

الأمازيغية تستعيد مكانتها في الجزائر  / بقلم الدكتور عليلي عبد السلام

3

المجلس الوطني المستقل للأئمة يجدد المطالبة بفتح المساجد لأداء شعيرة صلاة الجمعة