time

التّعليم عن بعد في زمن “الكورونا”..تأرجح بين الممكن والمستحيل…

بقلم/رڨيڨ هاجر باتول

قد تفرض الظّروف نفسها في بعض الأوقات وتدفعنا للانقطاع عن الحياة وممارسةماتعوّدنا عليه، ولو لفترة وجيزة درءًا لمفسدة محققة، وهذا مايشهده عالمنا اليوم إثر جائحة كوفيد19 التّي ألقت بظلالها على جميع مناحي الحياة وقطاعات الدولة، وكشفت لنا أنه لابد مستقبلا من الاهتمام بقطاعات أخرى ذات أولويّة قصوى، على غرار قطاعيّ الصحّة والتّربية والتّعليم خاصة في عالمنا العربي.
و إذا كانت أعطاب الصحة البنيويّة والهيكليّة قد تبدو معلومة للجميع، وأن الخصائص المسجّل فيها قد تم تداركه ولو نسبيّا بدخول الطّب العسكري على الخط في عديد الدّول العربية على غرار “المغرب”، وإنقاذ مايمكن إنقاذه في هذا القطاع، فماذا عن قطاع التربية والتعليم؟ وهل من مؤسسة عسكرية تدخله؟، الأكيد أنه ليس هناك سوى وزارة التربية والتعليم التّي تضرب هنا وهناك لعلّها تنقذه من هذه السكتة القلبية.
فمباشرة بعد إعلان حالة الطوارئ و تبنّي عديد الدّول في العالم الحجر الصّحي كحل وحيد للتّصدي لفيروس كورونا المستجد، وجد أكثر من مليار ونصف طالب أنفسهم خارج حجرات الدّراسة، و يتوزع هؤلاء بحسب منظمة اليونسكو على 165 دولة حول العالم المنظمة بدورها أطلقت لصالحهم، تحالفا عالميا من أجل دعم الدّول في توسيع نطاق حلول التعليم عن بعد والوصول للطّلبة وتلاميذ المدارس الأكثر عرضة للتسرب المدرسي جرّاء هذه الأزمة.

-حدوتة التعليم عن بعد:
التعليم عن بعد ليس بفكرة وليدة اليوم، بل وسيلة تواصل بدأت منذ القرن19، ففي عام1892 تأسّست في جامعة شيكاغوأوّل إدارة مستقلّة للتعليم بالمراسلة وبذلك صارت الجامعة الأولى على مستوى العالم التّي تعتمد التّعليم عن بعد، ولقد أتاح الفرص للطّلاب الكبار، كما أنه أعطى للطلاب الإحساس بالمسؤولية تجاه تعليمهم فقد كانوا يرسلون وظائفهم بالبريد، وكان التّحكم بنظام الفحص يتمّ عن بعد. وفي العام1970 بدأت الجامعة المفتوحة في استخدام التّقنية كالتّلفاز والراديو وأشرطة الفيديوفي هيكلة التعليم عن بعد، وفي العقدين الأخيرين تأسست أربع جامعات في أوروبا وأكثر من عشرين حول العالم تطبّق تقنية التّعليم عن بعد، في عام1999 كانت التّربويات التلفزيونية حيث تمّ تقديم الدّورات عن طريق التلفاز فيما يُعرف ب tele courses من أنجح الوسائل التي استخدمتها الجامعات البريطانية المفتوحة، وخاصة تلك التي تأسست في الولايات المتحدة تحت مسمّى(the united states open university)

-التعليم عن بعد بنسخته العربية..هل تنجح التجربة؟:
تطور فيروس كورونا وانتشاره بشكل مخيف في العالم دفع كلّ الدول إلى اللّجوء مضطرة لاستخدام التعليم عن بعد لتحقيق التباعد الإجتماعي، مع تفاوت الإمكانيات التّقنية والمعلوماتية من دولة لأخرى وحسب الاستعداد لاستخدام هذه الوسيلة، وتدريب المعلمين عليها وطبيعة الطّلاب وسهولة استخدامهم لمثل هذه الوسائل الحديثة، الأمر الذّي كان شكّل عائقًا أمام أغلب دولنا العربية ، نظرًا لافتقار الكثير منها للمستلزمات والتّجهيزات المتعلّقة بالتّعليم عن بعد مع عدم توفر تجارب سابقة لقياس مدى نجاحها في حال تطبيقها، كما أن وزارات التربية والتعليم العربية لم تدرس كل جوانب الدّراسة عن بعد ولم تصل توقّعاتها للأعطاب والفرز المجتمعي الذي سيخلقه التّعليم عن بعد بين أبناء من يملكون ومن لايملكون.
مشاكل التعليم عن بعد في ظلّ فيروس كورونا لم تقف عند حدود تمديد الهوّة بين عالمهم الغربي المتقدّم وعالمنا العربي المتخلّف، بل امتدت لتصل لأشكال التعليم في الوطن الواحد و نقصد هنا التعليم العمومي والتعليم الخاص ممّا أنتج شرخًا كبيرا داخل المنظومة التّعليمية، ناهيك عن محدودية التّلقي عند الكثير من أبناء الطّبقة الفقيرة والعائلات المعوزّة التّي تسكن القرى والمناطق النائية، فقضية التّعليم عن بعد تتعلق أساسا بالتّوزيع المجالي للبنيات التّحتية الأساسية وتوفير أنترنت بجودة عالية وسرعة كبيرة وهو مشكل نعاني منه جميعًا، فالجزائر مثلا تحتل المرتبة139 عالميا والأخيرة عربيا ب 1.5ميجا بايت، مما يستعصي حتى على سكان المدن أن يحظوا بأنترنت مثالي فمابالك بسكان الريف المهمشين.

-الشكليات موجودة لكن ماذا عن المضمون؟:
بعيدا عن إشكالية مدى توفّر الإمكانيات فإن مايطرح اليوم هوحول مضمون وجودة هذا التعليم وهل حقّق الغاية المرجوّة منه، وهل حقّق التربية والتعليم بمفهومها الأكاديمي والعلمي أم كان مجرد إشهار للتّباهي وتسويقا لوجودنا على هذا الكوكب المنكوب؟
رغم الإجتهادات التي يقوم بها رجالات ونساء التعليم إلا أنها تبقى كلها تقنيات محدودة بعيدة كل البعد عن الطّرق البيداغوجية التي يتمّ اعتمادها داخل قاعات الدّراسة، فالفرق كبير بين التسجيل عن طريق النّت والتّفاعل المباشر مع الأستاذ، لذا فرأي عدد كبير من الطلبة وأوليائهم تجزم أن الإصرار على عملية التّدريس عن بعد كثيرة الأعطاب، ولنا في “مصر” مثال، فقد دشّن الطلبة هاشتاغ التعليم الأونلاين فاشل.
وهنا برزت مطالب بالعمل مستقبلا على ضرب كلّ املاءات صندوق النّقد الدولي الداعية للتّقشّف في ميزانية التّعليم والصّحة عرض الحائط، وبالتّالي العمل على رفع ميزانية التّعليم في المستقبل بات ضرورة ملحّة. وهنا نفهم أنّ المنظومة التّعليمية تواجه أزمة نقص إمكانيات وأزمة تسيير للموارد مما جعل مجتمعاتنا الشرقية متخلّفًا عن ركب العالم وما كورونا سوى القطرة التّي أفاضت كأس هذا القطاع المعطوب.

ماذا عن امتحانات نهاية السنة؟:
في ظل هذا الارتباك، بدأ يتضح أن منسوب القلق لم يعد حبيس طرق التعليم ومدى نجاعته، وما إن كنّا سننطلق من حيث توقفنا أم سنواصل من حيث أوصلتنا تقنيات التّعليم الإلكتروني، فتعدى الطّرح ليصل لامتحانات نهاية السّنة التّي خلقت جدلا كبيرا حول هل ستكون عن طريق الأنترنت أم ستكون سنة بيضاء بالنسبة للتلاميذ؟، يبدو أن أغلب الوزارات لا تملك جواب على الأقل في الوقت الراهن، وربما تنتظر التطورات المرتبطة بالظروف الصحية ومدى تحسن مؤشرات مواجهة جائحة الكورونا مستقبلا.
إلا أن وزارتَي التربية والتّعليم و التعليم العالي والبحث العلمي في الجزائر قد فصلت في الأمر فقد أعلنت قبل أيام عن احتساب معدلات الفصل الأول والثاني بالنسبة للقسمين النهائيين للطورين الإبتدائي والمتوسط، وكذا تأجيل امتحان شهادة البكالوريا لغاية منتصف شهر سبتمبر، أما بالنسبة للتعليم العالي(الجامعي) فإنّ استئناف الدّروس سيكون بين شهري أكتوبر ونوفمبر، وجلّ هذه القرارات يرتبط تنفيذها بمدى تطوّر وتحسن الظّروف الصّحية بالبلاد.
عالمنا العربيّ اليوم بحاجة إلى تفعيل إرادة التّغيير بقوّة، وإعادة النظر في قرار التعليم عن بعد، فالوقت لايسمح بالمزيد من التّماطل أو السّياسات التّرقيعية التي اعتدنا عليها وتسببت في نخر المنظومة التّربوية، لذا وجب الإسراع لاتّخاذ الإجراءات اللازمة بإشراك الشريك الإجتماعي واستدعاء الكفاءات والتّوقف عن التّفرّد بالقرارات الارتجالية، فهذا مصير أجيال ومستقبل بلدان.

مصادر المقال:

  1. https://bit.ly/3eCV5ki
    https://bit.ly/2VjMwTw

تعليقات الزوار ( 0 )

اترك تعليقاً

مقالات ذات صلة

رؤساء دول و دبلوماسيون يهنؤون الجزائر في الذكرى ال58 للإستقلال

تقييم محرز بعد مستواه في مباراة ساوثهامبتون

الملك السعودي يهنئ الرئيس الجزائري في ذكرى عيد الإستقلال

فيغولي يطرد بالبطاقة الحمراء بعد تدخله القوي على المدافع المغربي ‘داكوستا’